لايف ستايل
جزيرة مارغريت "رئة بودابست الخضراء" تتهادى على إيقاع الدانوب والينابيع الحرارية
جان بيار حبيب
15-October-2026

هذه هي مارغريت... الجزيرة التي تحمل بين جنباتها جزءاً من تاريخ بودابست
حكاية أميرة
وراء اسم الجزيرة حكاية تعود إلى واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ المجر. ففي القرن الثالث عشر، اجتاحت جيوش المغول أراضي المملكة، ووجد الملك بيلا الرابع نفسه أمام تهديد يطال البلاد والعرش معاً. وفي خضم تلك المحنة، نذر الملك ابنته مارغريت للحياة الدينية، متعهداً بأن يكرّسها للدير إذا نجت المملكة من الخطر. وبعد انحسار الغزو، أوفى بوعده، فأرسلت مارغريت إلى دير الدومينيكان وهي في الحادية عشرة من عمرها، لتبدأ حياة مختلفة تماماً عن حياة القصور، عنوانها الزهد والتقوى وخدمة الآخرين. عاشت مارغريت بين عامي 1242 و1270، وظلت سيرتها وما نُسب إليها من معجزات حاضرة في الذاكرة الروحية للمجر، حتى أُعلنت قديسة رسمياً عام 1943. ولا تزال بقايا دير الدومينيكان وكنائسه القديمة شاهدة على تلك الحقبة، فتمنح الجزيرة بعداً آخر؛ تاريخاً يمكن رؤيته في الحجارة، واستشعاره في صمت المكان.

مسبح "ثيرمال مارغريت آيلاند" ... هنا تتحول المياه إلى لحظة من الاسترخاء والعافية
ثيرمال مارغريت آيلاند... حين تصبح العافية أسلوب حياة
في الطرف الشمالي من الجزيرة، حيث يزداد المشهد هدوءاً، يقع فندق "ثيرمال مارغريت آيلاند" Thermal Margaret Island أحد أبرز عناوين الاستشفاء والعافية فيها. وهنا تتخذ الإقامة معنى مختلفاً؛ إذ تلتقي الرعاية الطبية المتخصصة براحة المنتجع، في مكان صُمم ليمنح الجسد والعقل فرصة للابتعاد عن صخب الحياة اليومية. يضم الفندق 277 غرفة وثمانية أجنحة، إلى جانب منتجع صحي ومركز طبي يقدم مجموعة واسعة من البرامج المتخصصة في العناية بالجهاز العضلي والهيكلي، والجهاز العصبي والدورة الدموية والجهاز الهضمي، فضلاً عن برامج إعادة التأهيل بعد الإصابات والعمليات الجراحية. أما المياه الحرارية، فهي في صميم التجربة. ففي الحمامات المعدنية، يجد الضيف مساحة للاسترخاء، بينما تمتد العلاجات إلى الطين والتمارين المائية واليوغا والتدليك، ضمن برامج تُصمم وفق احتياجات كل شخص. والغاية في النهاية ليست مجرد قضاء ساعات في المنتجع، بل استعادة الحركة والنشاط والشعور بالتوازن.

غراند مارغريت آيلاند... فخامة عريقة تتنفس تاريخاً وسط هدوء الجزيرة
غراند مارغريت آيلاند... عودة إلى أناقة الزمن الجميل
وعلى الجانب الآخر من التجربة، يقف "غراند مارغريت آيلاند" Grand Margaret Island شاهداً على زمن كانت فيه الضيافة فناً له طقوسه الخاصة. بواجهته التاريخية وإطلالاته على الدانوب والمساحات الخضراء، يحتفظ الفندق بشيء من أناقة أوروبا القديمة، ويمنح ضيوفه فرصة للإقامة داخل فصل من تاريخ الجزيرة. وفي عام 2023، احتفل الفندق بمرور 150 عاماً على افتتاحه، ليواصل إرثاً طويلاً من الضيافة. ومن أجمل ما في التجربة أن نزلاء "غراند مارغريت" يستطيعون الوصول إلى مرافق "ثيرمال مارغريت" عبر ممر داخلي دافئ، فيلتقي سحر الفندق التاريخي بخبرة العافية الحديثة.

حدائق الجزيرة واحة خضراء تنبض بالهدوء والجمال
مياه صنعت هوية الجزيرة
ولعل أجمل ما في مارغريت أن علاقتها بالمياه تتجاوز كونها جزءاً من جغرافيا المكان. فبودابست مدينة عاشت طويلاً على إيقاع ينابيعها الحرارية ومياهها المعدنية، حتى أصبحت العافية جزءاً من ثقافتها. وفي مارغريت، تلتقي هذه الثقافة بطبيعة الجزيرة الهادئة، فتتشكل تجربة لا تشبه مجرد زيارة إلى منتجع. يمكن أن يبدأ النهار بنزهة بين الأشجار وعلى ضفاف الدانوب، ثم تتغير وتيرته مع حمام حراري أو جلسة علاجية، قبل أن يعود المساء إلى هدوئه داخل الفندق. وبين خطوة وأخرى، يكتشف الزائر أن الجزيرة لا تدعوه إلى رؤية المزيد بقدر ما تدعوه إلى التمهل. وربما هنا يكمن سر جزيرة مارغريت الحقيقي. فهي تجمع في مساحة واحدة ما يبدو متناقضاً: التاريخ والطبيعة، الفخامة والبساطة، المدينة والعزلة، السفر والعافية. لا تحتاج إلى الكثير كي تترك أثرها؛ يكفي أن تمشي في ممراتها ببطء، أن تنظر إلى الدانوب، وأن تمنح نفسك وقتاً لا تفعل فيه شيئاً سوى أن تكون هناك.
