لايف ستايل
Marienbad... أرض ساحرة تمنحك الراحة والاستجمام والعلاج!
جان بيار حبيب
30-January-2026
وكأن الشتاء يحلّ على مارينباد Marienbad، متوشحاً بكل ما يحمله من هيبة وسحر، فيكسوها بثوب ناصع من الثلج، ويحوّل حدائقها وممراتها إلى لوحات بيضاء تنبض بالسلام والسكينة. وعلى الرغم من قسوة البرد، لا تخفت حركة الزائرين إليها طلباً لمياهها المعدنية الشهيرة التي ارتبط اسمها منذ قرون بالعلاج والاستشفاء. فهذه البلدة التشيكية، المتربعة في حضن الطبيعة، لا تعرف السكون حتى في أقسى فصول السنة؛ إذ تتحول برودة أجوائها إلى عنصر جذب خاص، يضفي على المكان صفاءً نادراً وهدوءاً عميقاً. وبين تاريخها العريق كبلدة للشفاء وطابعها الهادىء، تغدو مارينباد مقصداً مثالياً لمن ينشدون الراحة الجسدية والتوازن النفسي في آن واحد.

الثلج زائرٌ لا يغيب عن مارينباد في فصل الشتاء
حارس ذاكرة البلدة!
ما إن تطأ أقدامكم قلب البلدة، حتى يلوح أمامكم مبنى الكولوناد Colonnade، شامخاً كقصيدة حجرية من العصر الباروكي، تنبض بالأناقة وتفيض بالفخامة. تحت قناطره المزخرفة، وعلى امتداد سقفه الموشى بالرسومات، يتسلل إليكم شعور آسر بأنكم تعبرون بهو قصر ملكي، لا ممشى لمنتجع صحي. وهناك، حيث يتعانق الفن مع الطبيعة، يكتمل المشهد بانضمام النافورة الغنّاء The Singing Fountain، لتشكّل مع الكولوناد لوحة بانورامية مهيبة، يتماهى فيها الصوت مع الصورة، وتُدهش الحواس بإيقاعها الساحر. وعلى وقع خرير الماء المتراقص، يطل تمثال برونزي للكاهن كاريل كاسبار رايتنبرغر، واقفاً في صمت وقور، كحارس لذاكرة البلدة. وعلى قاعدته المصنوعة من الرخام السويدي الأحمر، نُقشت عبارة لاتينية خالدة: "هذا هو الرجل الذي اكتشف المنافع العلاجية للمياه المعدنية، وشجّع على الاستفادة منها، ولذلك يستحق أن يُمنح لقب مؤسس البلدة."ليست هذه الكلمات مجرد نقش على حجر، بل شهادة اعتراف بتاريخ طويل من الشفاء، وأملٍ تدفق مع الماء عبر السنين. فالمياه هنا ليست عنصراً طبيعياً فحسب، بل هي القلب النابض للبلدة، والسر الذي منحها شهرتها العالمية.

سحر الكولوناد تحت بساط الثلج
أرض الينابيع!
تشتهر مارينباد المعروفة محلياً باسم مارينسكي لازنيه Mariánské Lázně، بكونها واحدة من أغنى بلدات ينابيع المياه المعدنية في أوروبا، إذ يتفجر من باطن أرضها عشرات الينابيع للمياه المعدنية الباردة، لكل منها تركيب كيميائي مختلف وخصائص علاجية مميزة. وتنبع هذه المياه من أعماق طبيعية غنية بثاني أكسيد الكربون والمعادن مثل الحديد، الصوديوم، والمغنيسيوم، ما جعلها أساساً لعلاجات طبية معتمدة منذ القرن التاسع عشر.
وقد استُخدمت هذه الينابيع في علاج العديد من الحالات الصحية، خاصة أمراض الجهاز الهضمي، الكلى والمسالك البولية، اضطرابات التمثيل الغذائي، وأمراض الجهاز التنفسي. ولا تقتصر الاستفادة منها على الشرب فقط، بل تُستخدم أيضاً في الحمّامات العلاجية، الاستنشاق، والعلاجات المنتجعـية المتخصصة. يأتي في مقدمتها نبع مارياMary’s Spring الذي لا يفيض بالماء فقط، بل بغاز طبيعي نادر غني بثاني أكسيد الكربون، يُستخدم في علاجات طبية دقيقة تُسهم في استقرار ضغط الدم، وتحسين وظائف القلب والدورة الدموية، وكأن النبع يهمس للجسد بالاتزان من جديد.
أما نبع الصليب Cross Spring، بتصميمه المعماري الأخّاذ الذي يحتضن اثنين وسبعين عموداً من الطراز الأيوني، فتُعرف مياهه بقدرتها على تعزيز مرونة الأوعية الدموية، وكأنها تعيد للبدن شبابه، وتمنحه فرصة أخرى للحركة والحياة.
وعلى مقربة منه، يتلألأ نبع كارولينا Karolina Spring، تحت قبة أنيقة تستند برشاقة إلى ثمانية أعمدة كورنثية، تنبعث منه مياه معدنية غازية غنية بالمغنيسيوم، اشتهرت بدعم صحة القلب، وتهدئة الأعصاب، ومساعدة الجسد على التحرر من التوتر واستعادة نوم عميق وهادىء. أما نبع رودولف Rudolph Spring، فقد ارتبط اسمه منذ عقود بالعلاج من أمراض المسالك البولية، بفضل مياهه المعدنية الغنية، التي أثبتت فعاليتها عبر تجارب متراكمة، وشهادات زوار لمسوا تحسناً حقيقياً في صحتهم، فصار النبع ملاذاً للباحثين عن العافية بثقة واطمئنان.

مشهد شتوي مهيب في أروقة مارينباد
لقاء الفخامة بتاريخ الشفاء!
في قلب مارينباد تتجسد اسطورة الرفاهية الصحية في أبهى صورها داخل فندق "نوفيه لازنيه"Hotel Nové Lázně، ذلك الصرح المعماري الذي ولد من رحم العصر الذهبي عام 1896، ولا يزال حتى اليوم شاهداً على تزاوج الفن بالعلاج، والتاريخ بالاستجمام. هنا، لا تنبع الينابيع المعدنية فحسب، بل تنساب روح العافية في أروقة الفندق، بين غرفه الفاخرة، وقاعاته المهيبة التي تتزين بأعمدة رخامية أنيقة وثريات كريستالية تعكس عبق الأرستقراطية الأوروبية. وليس غريبًا أن يكون هذا المكان الملاذ المفضل للملك إدوارد السابع، الذي وجد بين جدرانه تجربة رفاهية لا تُضاهى.

حين يكتب الثلج قصته على جدران "نوفيه لازنيه"
ويُعد الحمام الروماني التاريخي من أبرز معالم الفندق، إذ يحتفظ بغرفتين تحملان اسمي الملك إدوارد السابع والإمبراطور النمساوي فرانتس جوزيف الأول، اللذين اعتادا الإقامة فيه طلباً للنقاهة والاستشفاء، مستمتعين بشرب المياه العذبة المتدفقة من الينبوع الطبيعي في رحابه. ويستقطب المنتجع الصحي في الفندق أعداداً كبيرة من الزوار الباحثين عن العلاج والراحة، خاصة ممن يعانون من أمراض المفاصل، والروماتيزم، وهشاشة العظام. وتُقدم لهم برامج علاجية متكاملة تشمل التمارين العلاجية المتخصصة، والعلاج بالمياه الحرارية، والطين الطبي المعروف بخصائصه الشفائية.
كما يمتد نطاق العلاجات ليشمل الأمراض الجلدية مثل الأكزيما والصدفية وحب الشباب، حيث يُستخدم الطين الغني بالأملاح المعدنية إلى جانب العلاجات الضوئية والمستحضرات الطبية الحديثة لتحقيق نتائج فعالة ومستدامة. ولا تتوقف الخدمات عند هذا الحد، بل تشمل أيضاً اضطرابات الجهاز المناعي والعصبي والتنفسي، إضافة إلى مشكلات الجهاز الهضمي والمسالك البولية، والاضطرابات النسائية، وحتى بعض الحالات السرطانية، وذلك ضمن إشراف طبي متخصص.
فنادق تحرس إرث العافية الأوروبية!
ومن فندق "سنترالنيه لازنيه"Hotel Centrální Lázně إنطلقت شرارة شهرة مارينباد كواحدة من أهم بلدات ينابيع المياه المعدنية في أوروبا. فهذا الفندق الذي يعود تاريخة إلى عام 1812، يُعد الأقدم في البلدة، وقد شُيّد في موقع أول حمام معدني عرفته المنطقة. ويحتضن الفندق نبع ماريا الشهير، الذي يحمل اسمه جناح عصري متكامل يُعرف ب"ماريا سبا".

"سنترالنيه لازنيه" والهدوء الأبيض
وتنبعث في هذا الجناح غازات ثاني أكسيد الكربون الطبيعية، المعروفة باسم "غازات ماريا"، والتي تُستخدم في علاجات طبية دقيقة تُضخ عبر أنابيب مخصصة إلى غرف العلاج، لتساهم في تحسين الدورة الدموية، وتنشيط وظائف الكلى، وتخفيف الالتهابات والآلام المزمنة بفاعلية ملحوظة.
هنا خفق قلب "غوته" بالحب!
لا تنفد روائع الإقامة الفاخرة في مارينباد، حيث يبرزفندق "هفيزدا هيثلت سبا"Hvězda Health Spa Hotel بعبقه التاريخي وهندسته الأنيقة العائدة إلى عام 1905. ويُروى أن الأديب الألماني الكبير "غوته" التقى حبيبته "أولريكا" في هذا المكان الآسر، الذي كان بدوره من الوجهات المفضلة للملك إدوارد السابع. وفي مسبح "هفيزدا"، وهو الأكبر في البلدة، يعيش الزائر لحظات استرخاء استثنائية وسط أجواء من السكينة والرقي. وبين أحضان الطبيعة الخلابة، وعلى مقربة من هذه الفنادق العريقة، يطل فندق "باسيفيك هيلث سبا" Pacifik Health Spa Hotelالذي يضم منتجعاً صحياً مرموقًا يقدم برامج متخصصة لإعادة التأهيل بعد العمليات الجراحية، إضافة إلى علاجات فعالة لأمراض العضلات وهشاشة العظام، معتمداً على مياه الينابيع المعدنية الطبيعية وخبرة طبية متراكمة عبر السنين. إن فنادق مارينباد ليست مجرد أماكن للإقامة، بل محطات نابضة بالحياة تعيد إحياء سحر الزمن الجميل في إطار من الرعاية الصحية المتقدمة، لتمنح زوارها تجربة متكاملة تمزج بين الراحة، والشفاء، والتاريخ العريق.

في فندق "هفيزدا" هام قلب "غوته" بالحب
مارينباد في سطور!
- تقع مارينباد في غرب جمهورية التشيك، على بعد 170 كيلومتراً من العاصمة براغ، أي ما يعادل ساعتين ونصف بالسيارة.
- تزخر بأكثر من أربعين ينبوعاً معدنياً، تختلف في خصائصها وتركيبتها، ويستخدم العديد منها ضمن برامج علاجية متخصصة تستهدف مجموعة واسعة من الحالات الصحية.
- يمكن للزوار دخول جمهورية التشيك بإستخدام تأشيرة شنغن، كونها دولة عضواً في منطقة شنغن.
- العملة الرسمية هي الكرونة التشيكية، ويبلغ متوسط سعر الصرف حوالي 21 كرونة مقابل الدولار الأميركي الواحد.
- اللغة الرسمية في البلاد هي التشيكية، غير أن التواصل لا يشكل عائقاً للزوار، إذ يتحدث معظم العاملين في قطاعي السياحة والخدمات اللغة الإنكليزية بطلاقة.
- تكتمل تجرية الإقامة الراقية من خلال سلسلة فنادق "إنسانا" Ensana المنتشرة في أنحاء البلدة، والتي تقدم مزيجاً متوازناً من العلاجات الطبيعية المتخصصة، والخدمات الطبية المتقدمة. للإطلاع على مزيد من التفاصيل حول الفنادق وبرامج العلاج، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي: ensanahotels.com/marianske-lazne
