لايف ستايل
أسرار العلاج بالمياه المعدنية في Marienbad... بلدة الاستشفاء التشيكية
جان بيار حبيب
30-January-2026
تقع Marienbad في غرب جمهورية التشيك، على بعد 170 كيلومتراً من العاصمة براغ، وتزخر بأكثر من أربعين ينبوعاً معدنياً، تختلف في خصائصها وتركيبتها، ويستخدم العديد منها ضمن برامج علاجية متخصصة تستهدف مجموعة واسعة من الحالات الصحية. وعلى الرغم من قسوة البرد، لا تخفت حركة زائريها طلباً لمياهها المعدنية الشهيرة التي ارتبط اسمها منذ قرون بالعلاج والاستشفاء. فهذه البلدة التشيكية، المتميزة بتاريخها العريق كبلدة للاستشفاء وبطابعها الهادىء، أصبحت مقصداً مثالياً لمن ينشدون الراحة الجسدية والتوازن النفسي في آن واحد.
Colonnade المنتجع الصحي الشهير
ما إن تطأ أقدامكم قلب البلدة، حتى يلوح أمامكم مبنى الكولوناد Colonnade، شامخاً كقصيدة حجرية من العصر الباروكي، تنبض بالأناقة وتفيض بالفخامة. تحت قناطره المزخرفة، وعلى امتداد سقفه الموشى بالرسومات، يتسلل إليكم شعور آسر بأنكم تعبرون بهو قصر ملكي، لا ممشى لمنتجع صحي. وهناك، حيث يتعانق الفن مع الطبيعة، يكتمل المشهد بانضمام النافورة الغنّاء The Singing Fountain، لتشكّل مع الكولوناد لوحة بانورامية مهيبة، يتماهى فيها الصوت مع الصورة، وتُدهش الحواس بإيقاعها الساحر.

الكولوناد.. المنتجع الصحي الشهير
الرجل الذي اكتشف الفوائد العلاجية للمياه المعدنية
على وقع خرير الماء المتراقص في حديقة Colonnade، يطل تمثال برونزي للكاهن كاريل كاسبار رايتنبرغر، واقفاً في صمت وقور، كحارس لذاكرة البلدة. وعلى قاعدته المصنوعة من الرخام السويدي الأحمر، نُقشت عبارة لاتينية خالدة: "هذا هو الرجل الذي اكتشف المنافع العلاجية للمياه المعدنية، وشجّع على الاستفادة منها، ولذلك يستحق أن يُمنح لقب مؤسس البلدة".... ليست هذه الكلمات مجرد نقش على حجر، بل شهادة اعتراف بتاريخ طويل من الشفاء، وأملٍ تدفق مع الماء عبر السنين. فالمياه هنا ليست عنصراً طبيعياً فحسب، بل هي القلب النابض لـ Marienbad ، والسر الذي منحها شهرتها العالمية.
معادن وعلاجات طبية معتمدة منذ القرن التاسع عشر
تشتهر مارينباد المعروفة محلياً باسم مارينسكي لازنيه Mariánské Lázně، بكونها واحدة من أغنى بلدات ينابيع المياه المعدنية في أوروبا، إذ يتفجر من باطن أرضها عشرات الينابيع للمياه المعدنية الباردة، لكل منها تركيب كيميائي مختلف وخصائص علاجية مميزة. وتنبع هذه المياه من أعماق طبيعية غنية بثاني أكسيد الكربون والمعادن مثل الحديد، الصوديوم، والمغنيسيوم، ما جعلها أساساً لعلاجات طبية معتمدة منذ القرن التاسع عشر.
وقد استُخدمت هذه الينابيع في علاج العديد من الحالات الصحية، خاصة أمراض الجهاز الهضمي، الكلى والمسالك البولية، اضطرابات التمثيل الغذائي، وأمراض الجهاز التنفسي. ولا تقتصر الاستفادة منها على الشرب فقط، بل تُستخدم أيضاً في الحمّامات العلاجية، الاستنشاق، والعلاجات المنتجعـية المتخصصة.
في مقدمة هذه الينابيع، يأتي نبع مارياMary’s Spring الذي لا يفيض بالماء فقط، بل بغاز طبيعي نادر غني بثاني أكسيد الكربون، يُستخدم في علاجات طبية دقيقة تُسهم في استقرار ضغط الدم، وتحسين وظائف القلب والدورة الدموية، وكأن النبع يهمس للجسد بالاتزان من جديد.
أما نبع Cross Spring، بتصميمه المعماري الأخّاذ الذي يحتضن اثنين وسبعين عموداً من الطراز الأيوني، فتُعرف مياهه بقدرتها على تعزيز مرونة الأوعية الدموية، وكأنها تعيد للبدن شبابه، وتمنحه فرصة أخرى للحركة والحياة.
وعلى مقربة منه، يتلألأ نبع كارولينا Karolina Spring، تحت قبة أنيقة تستند برشاقة إلى ثمانية أعمدة كورنثية، تنبعث منه مياه معدنية غازية غنية بالمغنيسيوم، اشتهرت بدعم صحة القلب، وتهدئة الأعصاب، ومساعدة الجسد على التحرر من التوتر واستعادة نوم عميق وهادىء.
أما نبع رودولف Rudolph Spring، فقد ارتبط اسمه منذ عقود بالعلاج من أمراض المسالك البولية، بفضل مياهه المعدنية الغنية، التي أثبتت فعاليتها عبر تجارب متراكمة، وشهادات زوار لمسوا تحسناً حقيقياً في صحتهم، فأصبح النبع ملاذاً للباحثين عن العافية بثقة واطمئنان.

Marienbad وأروقة العلاج بالمياه المعدنية
تزاوج الفن والعلاج
في قلب Marienbad تتجسد اسطورة الرفاهية الصحية في أبهى صورها داخل فندق "نوفيه لازنيه"Hotel Nové Lázně، ذلك الصرح المعماري الذي ولد من رحم العصر الذهبي عام 1896، ولا يزال حتى اليوم شاهداً على تزاوج الفن بالعلاج، والتاريخ بالاستجمام. هنا، لا تنبع الينابيع المعدنية فحسب، بل تنساب روح العافية في أروقة الفندق، بين غرفه الفاخرة، وقاعاته المهيبة التي تتزين بأعمدة رخامية أنيقة وثريات كريستالية تعكس عبق الأرستقراطية الأوروبية. وليس غريبًا أن يكون هذا المكان الملاذ المفضل للملك إدوارد السابع، الذي وجد بين جدرانه تجربة رفاهية لا تُضاهى.
الحمام الروماني التاريخي
يُعد الحمام الروماني التاريخي من أبرز معالم فندق Hotel Nové Lázně، إذ يحتفظ بغرفتين تحملان اسمي الملك إدوارد السابع والإمبراطور النمساوي فرانتس جوزيف الأول، اللذين اعتادا الإقامة فيه طلباً للنقاهة والاستشفاء، مستمتعين بشرب المياه العذبة المتدفقة من الينبوع الطبيعي في رحابه. ويستقطب المنتجع الصحي في الفندق أعداداً كبيرة من الزوار الباحثين عن العلاج والراحة، خاصة ممن يعانون من أمراض المفاصل، والروماتيزم، وهشاشة العظام. وتُقدم لهم برامج علاجية متكاملة تشمل التمارين العلاجية المتخصصة، والعلاج بالمياه الحرارية، والطين الطبي المعروف بخصائصه الشفائية.
علاجات للأمراض الجلدية واضطرابات اجهزة الجسم وبعض حالات السرطان
ويمتد نطاق العلاجات ليشمل الأمراض الجلدية مثل الأكزيما والصدفية وحب الشباب، حيث يُستخدم الطين الغني بالأملاح المعدنية إلى جانب العلاجات الضوئية والمستحضرات الطبية الحديثة لتحقيق نتائج فعالة ومستدامة. ولا تتوقف الخدمات عند هذا الحد، بل تشمل أيضاً اضطرابات الجهاز المناعي والعصبي والتنفسي، إضافة إلى مشكلات الجهاز الهضمي والمسالك البولية، والاضطرابات النسائية، وحتى بعض الحالات السرطانية، وذلك ضمن إشراف طبي متخصص.
احدى اهم بلدات الينابيع المعدنية في أوروبا
ومن فندق "سنترالنيه لازنيه"Hotel Centrální Lázně إنطلقت شرارة شهرة "مارينباد" كواحدة من أهم بلدات ينابيع المياه المعدنية في أوروبا. فهذا الفندق الذي يعود تاريخه إلى عام 1812، يُعد الأقدم في البلدة، وقد شُيّد في موقع أول حمام معدني عرفته المنطقة. ويحتضن الفندق نبع ماريا الشهير، الذي يحمل اسمه جناح عصري متكامل يُعرف بـ"ماريا سبا".
وتنبعث في هذا الجناح غازات ثاني أكسيد الكربون الطبيعية، المعروفة باسم "غازات ماريا"، والتي تُستخدم في علاجات طبية دقيقة تُضخ عبر أنابيب مخصصة إلى غرف العلاج، لتساهم في تحسين الدورة الدموية، وتنشيط وظائف الكلى، وتخفيف الالتهابات والآلام المزمنة بفاعلية ملحوظة.

Hotel Centrální Lázně
المبني على أول حمام معدني عرفته المنطقة
منتجعات صحية راقية
في مسبح Hvězda Health Spa Hotel ، وهو الأكبر في البلدة، يعيش الزائر لحظات استرخاء استثنائية وسط أجواء من السكينة والرقي وبين أحضان الطبيعة الخلابة.
كما يضم فندق "باسيفيك هيلث سبا" Pacifik Health Spa Hotel منتجعاً صحياً مرموقًا يقدم برامج متخصصة لإعادة التأهيل بعد العمليات الجراحية، إضافة إلى علاجات فعالة لأمراض العضلات وهشاشة العظام، معتمداً على مياه الينابيع المعدنية الطبيعية وخبرة طبية متراكمة عبر السنين.
إن فنادق مارينباد ليست مجرد أماكن للإقامة، بل محطات نابضة بالحياة تعيد إحياء سحر الزمن الجميل في إطار من الرعاية الصحية المتقدمة، لتمنح زوارها تجربة متكاملة تمزج بين الراحة والشفاء والتاريخ العريق.
هنا خفق قلب "غوته" بالحب!
لا تنفد روائع الإقامة الفاخرة في "مارينباد"، ومن بينها يبرز فندق "هفيزدا هيثلت سبا"Hvězda Health Spa Hotel بعبقه التاريخي وهندسته الأنيقة التي تعود إلى عام 1905. ويُروى أن الأديب الألماني الكبير "غوته" التقى حبيبته "أولريكا" في هذا المكان الآسر، الذي كان بدوره أيضاً من الوجهات المفضلة للملك إدوارد السابع.
للإطلاع على مزيد من التفاصيل حول الفنادق وبرامج العلاج، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي: ensanahotels.com/marianske-lazne
